قسمتي ونصيبي
عن كتاب رأيت فيما يرى النائم لنجيب محفوظ
تبدأ قصة “قسمتي ونصيبي” في بيت الزوجين عمّ محسن والست عنباية، حيث رزقا بكل ما تهفو إليه النفس من متاع الحياة، إلا نعمة واحدة ظلّا محرومَين منها: نعمة الإنجاب. وبرغم كل ما يملكانه، لم يستطيعا أن يسكنا هذا الفراغ العميق الذي يتركه غياب الطفل في البيت. لعلّ ذلك لكون البشر لا يكتفون، أو لأن الغريزة الإنسانية تشتهي ما ليس لديها. وربما، لأن الحياة ذاتها لا تسمح لأحد أن ينعم بكل شيء، فالسعادة -كما يبدو- لا تأتي إلا ممزوجة بشيء من الهمّ.
وبينما شارف عم محسن على الخمسة والأربعين، وعنباية على الأربعين، بدا الأمل وكأنه قد وُئد. ولكن، كما الحياة دائماً، حين تنطفئ كل التوقعات ينبثق ما لا يُنتظر. تفاجأت عنباية بحملها، وارتفعت زغاريد الفرح، وامتلأ البيت بنشوة الانتظار. إلا أن الحياة، مرة أخرى، لم تكتفِ بمنحهم المفاجأة السعيدة، بل اختارت أن تضعهم أمام اختبار قاسٍ. فولدت عنباية طفلاً غير عادي، بجسد موحّد في الأسفل، متفرّع في الأعلى: كأنه شخصان في جسد واحد.
لم يتعمّق نجيب محفوظ كثيرًا في وصف ردة فعلهما، لأنه لم يكن يروي حكايةً واقعية، بل يُشير إلى ما هو أعمق: إلى الرمز والمعنى. فاختارت عنباية ألا تتخلى عن هذا “الابنَين”، وسمّتهما: قسمتي ونصيبي. لعلها فعلت ذلك مدفوعةً بغريزة الأمومة، أو تمسكاً بثمرة سنين الانتظار الطويل، حتى لو كانت مضنية ومربكة.
ومع مرور الوقت، بدأ التمايز بين “قسمتي” و”نصيبي” يزداد وضوحًا. كان “قسمتي” رمزًا للاستسلام، للرضى، للواقع المفروض، كأنّه قدر لا يُردّ. أما “نصيبي” فكان شرسًا، متمردًا، لا يكفّ عن الحلم، عن المقاومة، عن التطلّع إلى ما هو أبعد. لم يكن الصراع بينهما مجرد اختلاف شخصيات، بل صراعًا بين فلسفتين: بين الرضى والطموح، بين التسليم والمقاومة، بين السكون والحركة. وكان هذا الصراع انعكاسًا لصراع الإنسان مع ذاته.
هما في ظاهر القصة شخصان، لكن الحقيقة أن “قسمتي” و”نصيبي” لا يمثلان إلا وجهين لذات واحدة. تمامًا كما نحن، نحمل في داخلنا أكثر من صوت: صوت يُرضينا بما نملك، وصوت يدفعنا إلى ما نريد. “قسمتي” كان صوت العقل، بينما “نصيبي” مثّل القلب، وكان كلٌّ منهما يجذب الجسد المشترك إلى جهة مختلفة، حتى بدا الأمر كما لو أن إنسانًا يُمزّق نفسه بنفسه.
حين اشتعل الحب في قلبيهما نحو فتاة واحدة، لم تكن الفتاة إلا رمزًا لذلك الشيء الذي نتفق عليه في أعماقنا رغم تشتتنا، كأنّها “الأمل” أو “الحلم”، ذلك الشيء الوحيد الذي يجمع أطراف النفس المتنازعة. ولكن، كما في كل صراع داخلي، تسرّع القلب – نصيبي – فاندفع، وأفسد الحلم.
ثم تأتي النهاية، الموجعة والعميقة، حين مات “نصيبي”. ظنّ “قسمتي” أنه سيشعر بالخلاص، بالراحة، ولكنه وجد نفسه كمن يحمل قبرًا يمشي به. حين يموت فينا الجانب المتمرّد، لا نرتاح، بل نحمل عبء الصمت، والندم، والوحدة. فحتى الخير يحتاج إلى الشر كي يتوازن، وحتى الهدوء يحتاج إلى الضجيج ليكتمل. الإنسان لا يُبنى من جزء واحد، بل من تناقضات تتصارع لتصنعه.
وفي النهاية، لم تكن مشكلتهما الحقيقية في العالم، ولا في الجسد المشوّه، بل في داخلهما. فكم من الناس يظنون أن عيوبهم في غيرهم، بينما الحقيقة أنهم لم يتصالحوا مع أنفسهم بعد.
وربما، فقط ربما، السبب في أن من مات هو “نصيبي” – المناضل – أن التمرّد يستهلك، ويستنزف، ويُفني. أما من بقي، “قسمتي”، فهو الذي يعيش أكثر، لكنه يحمل أثقل الأعباء: أعباء الندم، وأشباح ما لم يتحقق
(تحليل شخصي)

